الغزالي
81
إحياء علوم الدين
ينفك عن الملك أو الهلك ، وهو كطالب الملك في الدنيا ، فإن لم يتفق له الإصابة في الأموال لم يطمع في السلامة من الإذلال ، بل لا بد من لزوم أفضح الأحوال فان قلت : في الرخصة في المناظرة فائدة وهي ترغيب الناس في طلب العلم ، إذ لولا حب الرئاسة لاندرست العلوم . فقد صدقت فيما ذكرته من وجه ، ولكنه غير مفيد ، إذ لولا الوعد بالكرة والصولجان واللعب بالعصافير ما رغب الصبيان في المكتب ، وذلك لا يدل على أن الرغبة فيه محمودة ، ولولا حب الرئاسة لا ندرس العلم ، ولا يدل ذلك على أن طالب الرئاسة ناج ، بل هو من الذين قال صلَّى الله عليه وسلم فيهم [ 1 ] « إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم » . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر » . فطالب الرئاسة في نفسه هالك ، وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا ، وذلك فيمن كان ظاهر حاله في ظاهر الأمر ظاهر حال علماء السلف ، ولكنه يضمر قصد الجاه . فمثاله مثال الشمع الذي يحترق في نفسه ويستضئ به غيره ، فصلاح غيره في هلاكه . فأما إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النار المحرقة التي تأكل نفسها وغيرها فالعلماء ثلاثة : إما مهلك نفسه وغيره ، وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون عليها ، وإما مسعد نفسه وغيره ، وهم الداعون الخلق إلى الله سبحانه ظاهرا وباطنا ، وإما مهلك نفسه مسعد غيره ، وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقصده في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه . فانظر من أي الأقسام أنت ، ومن الذي اشتغلت بالاعتداد له ، فلا تظنن أن الله تعالى يقبل غير الخالص لوجهه تعالى من العلم والعمل . وسيأتيك في كتاب الرياء بل في جميع ربع المهلكات ما ينفى عنك الريبة فيه ، إن شاء الله تعالى